فخر الدين الرازي

251

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الا في الدرجات العالية . واما ان فسرنا أصحاب الأعراف بأنهم الذين يكونون في الدرجة النازلة من أهل النجاة قلنا إنه تعالى يجلسهم في الأعراف وهم يطمعون من فضل اللّه وإحسانه ان ينقلهم من تلك المواضع إلى الجنة . واما قوله تعالى : وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ فقال الواحدي رحمه اللّه التلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة ولذلك كان ظرفا من ظروف المكان يقال فلان تلقاءك كما يقال هو حذاءك وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفا ثم نقل الواحدي رحمه اللّه باسناده عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن البصريين انهما قالا : لم يأت من المصادر على تفعال الا حرفان تبيان وتلقاء فإذا تركت هذين استوى ذلك القياس / فقلت في كل مصدر تفعال بفتح التاء مثل تسيار وترسال . وقلت في كل اسم تفعال بكسر التاء مثل تمثال وتقصار ومعنى الآية : انه كلما وقعت ابصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى اللّه تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم . والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف حتى يقدم المرء على النظر والاستدلال ولا يرضى بالتقليد ليفوز بالدين الحق فيصل بسببه إلى الثواب المذكور في هذه الآيات ويتخلص عن العقاب المذكور فيها . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 48 إلى 49 ] وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ( 48 ) أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 49 ) اعلم أنه تعالى لما بين بقوله : وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا [ الأعراف : 47 ] اتبعه أيضا بان أصحاب الأعراف ينادون رجالا من أهل النار واستغنى عن ذكر أهل النار لأجل ان الكلام المذكور لا يليق الا بهم وهو قولهم : ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ وذلك لا يليق الا بمن يبكت ويوبخ ولا يليق أيضا الا بأكابرهم والمراد بالجمع اما جمع المال واما الاجتماع والكثرة وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ والمراد : استكبارهم عن قبول الحق واستكبارهم على الناس المحقين . وقرئ تستكثرون من الكثرة وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في العقاب وعلى تبكيت عظيم يحصل لأولئك المخاطبين بسبب هذا الكلام ثم زادوا على هذا التبكيت وهو قولهم : أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم وربما هزؤا بهم وانفوا من مشاركتهم في دينهم فإذا رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية لمن كان مستضعفا عنده قلق لذلك وعظمت حسرته وندامته على ما كان منه في نفسه . واما قوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فقد اختلفوا فيه فقيل هم أصحاب الأعراف واللّه تعالى يقول لهم ذلك أو بعض الملائكة الذين يأمرهم اللّه تعالى بهذا القول . وقيل : بل يقول بعضهم لبعض / والمراد انه تعالى يحث أصحاب الأعراف بالدخول في الجنة واللحوق بالمنزلة التي أعدها اللّه تعالى لهم وعلى هذا التقدير فقوله : أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ من كلام أصحاب الأعراف . وقوله : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ من كلام اللّه تعالى ولا بد هاهنا من إضمار والتقدير : فقال اللّه لهم هذا كما قال : يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ * [ الأعراف : 110 ] وانقطع هاهنا كلام الملا . ثم قال فرعون : فَما ذا تَأْمُرُونَ * [ الأعراف : 110 ] فاتصل كلامه بكلامهم من غير اظهار فارق فكذا هاهنا .